مشكلتي ليست أنني لا أعرف… بل أنني أعرف تمامًا ما أريد
قالت لي شابة عربية في إحدى الجلسات:
«أنا مرعوبة مما أعرفه عن نفسي.»
لم تكن تائهة، ولم تكن بحاجة إلى اختبار جديد يخبرها بما تريد.
كانت تعرف أنها لم تعد تريد وظيفتها الحالية. وتعرف نوع المشروع الذي ترغب في بنائه. وكانت مستعدة لتتعلم، وتبدأ من الصفر، وتتحمل المسؤولية وتدفع ثمن اختيارها.
ثم قالت الجملة التي أوقفت كل شيء:
«لكن أهلي لن يقبلوا أبدًا أن أستقيل.»
هنا اتضح أن مشكلتها لم تكن غياب الوضوح.
كانت تعرف طريقها… لكنها لم تكن تملك بعد السعة الداخلية لتحمل ألا يوافق عليه والداها.
وهذه قصة سمعتها بصيغ مختلفة من شابات عربيات كثيرات.
تعرف الواحدة ما تريد، لكنها تستمر في البحث والتفكير وسؤال الآخرين، لأن الاعتراف برغبتها سيضعها أمام السؤال الأصعب:
هل أستطيع أن أختار نفسي، حتى لو لم يفهمني الأشخاص الذين أحبهم؟
أحيانًا، الحيرة هي الاسم اللطيف للخوف
منذ صغرها، تعلّمت أن الابنة الجيدة لا تُغضب والديها، ولا تخيّب توقعاتهما، ولا تختار طريقًا يقلقهما.
لهذا لا يستقبل جسدها اعتراضهما كاختلاف طبيعي بين أشخاص بالغين.
يستقبله كخطر:
قد أفقد حبّهما. قد أصبح ابنة عاقة أو أنانية. قد أندم وأثبت أنهما كانا على حق.
فتعود إلى الوظيفة التي تخنقها، وتسمّي ذلك عقلانية. تؤجل مشروعها، وتسمّي ذلك استعدادًا. وتطلب المزيد من الوضوح، رغم أنها تعرف في داخلها تمامًا ما تريد.
أحيانًا لا نخاف من الضياع… بل نخاف مما سيطلبه منا الوضوح.
مشروعك يحتاج إلى قوة تمرّ من علاقتك بوالديك
لا أقصد أن تتمردي عليهما، أو تقطعي علاقتك بهما، أو تتجاهلي مخاوفهما.
أقصد شيئًا أنضج وأصعب:
أن تحبيهما دون أن تسلّميهما قرار حياتك. أن تسمعي خوفهما دون أن تحوّليه إلى قدرك. وأن تتحملي هامشًا صحيًا من الاحتكاك، دون أن تنهاري أو تتراجعي فقط لتبقي «الابنة المثالية».
لأنك إذا جعلتِ رضا والديك شرطًا لحركتك، فهما يملكان حقّ النقض في مشروعك… حتى لو لم يملكا فيه سهمًا واحدًا.
والداك ليسا العدو. قد يكون اعتراضهما نابعًا من الحب والخوف عليك.
لكن العائق الحقيقي هو ذلك الجزء داخلك الذي ما زال يعتقد أن الاختلاف معهما يعني خسارة الحب والانتماء.
وهنا يبدأ العمل الحقيقي: ليس في إقناعهما بأي ثمن، بل في بناء قدرتك على حمل قرارك حتى وهما غير مقتنعين به بعد.
وهذه القدرة نفسها سيحتاجها مشروعك لاحقًا:
عندما تضعين سعرًا لا يعجب الجميع. عندما تقولين «لا» لعميل. عندما تتعرضين للنقد. وعندما تتخذين قرارًا لا يفهمه من حولك.
مشروعك لن يحتاج منك فكرة جميلة فقط. سيحتاج امرأة تستطيع الوقوف خلف ما تعرفه عن نفسها.
قبل أن تستقيلي، افصلي بين خطرين
لا أقول لكِ: استقيلي غدًا وواجهي الجميع. التمكين ليس اندفاعًا.
خذي ورقة وقسّمي مخاوفك إلى قسمين:
الخطر الواقعي: الدخل، الادخار، التزاماتك، صلاحية فكرة المشروع والخطة الانتقالية.
الخطر العاطفي: غضب والديك، شعورك بالذنب، خوفك من خيبة أملهما أو من أن يراك الآخرون أنانية.
الخطر الواقعي يحتاج إلى خطة. أما الخطر العاطفي فيحتاج إلى سعة وحدود ونضج داخلي.
لا تستخدمي الأول لتختبئي من الثاني.
ربما لا تكون الخطوة الأولى في مشروعك تسجيل الشركة أو إنشاء الصفحة.
ربما تكون أن تقولي بهدوء:
«أفهم خوفكم وأحترمه. لكنني درست قراري، وسأتحمل مسؤوليته.»
أحيانًا يكون أول رأس مال يحتاجه مشروعك هو قدرتك على تحمّل ألا يفهمك الجميع فورًا.
فمشروعك ليس فقط شيئًا ستبنينه في الخارج.
قد يكون المكان الذي تولد فيه المرأة القادرة على أن تختار حياتها… وتبقى محبّة، دون أن تتخلى عن نفسها.
