من فترة، جلست معي امرأة في أواخر الثلاثينات، أم لثلاثة أطفال، أصغرهم أصبح في التاسعة.
شعرت أن أبناءها كبروا قليلًا، وأن مساحة جديدة بدأت تعود إليها… مساحة للعمل، ولتجربة نفسها من جديد، ولبناء شيء يخصّها هي أيضًا.
جاءتني بفكرة كانت متحمسة لها جدًا:
أن تفتح روضة أطفال خاصة.
وبصراحة، كان من السهل أن تبدو الفكرة مناسبة. فهي تحب الأطفال، ولديها دراسة جامعية، وأخذت تكوينات مختلفة حتى تربي أبناءها بطريقة أفضل. وفوق ذلك، كانت صديقتها التي تعمل في المجال تشجعها على البدء.
لكن أثناء تحليل الاختبارات والحديث معها، ظهرت أمامي صورة مختلفة.
لم تكن المشكلة في قدرتها، ولا في حبها للأطفال. كان السؤال أعمق:
هل تحب الأطفال فقط… أم تحب فعلًا الحياة اليومية التي يتطلبها هذا المشروع؟
لأن حب الأطفال شيء، وإدارة روضة كل يوم شيء آخر تمامًا.
لم أرغب في أن أطفئ حماسها، ولم أرغب أيضًا في أن أشجعها على استثمار مالها ووقتها في فكرة لم تعش واقعها بعد.
لذلك قلت لها: بدل أن نحسم الأمر بالكلام، دعينا نسمح للواقع أن يجيبنا.
اتفقنا أن تعمل ستة أشهر في روضة صديقتها، ثم نعود لاتخاذ القرار.
وقبل أن تنتهي الأشهر الستة، تواصلت معي وقالت إنها فهمت الأمر بوضوح: هي تحب الأطفال فعلًا، لكنها لا تريد تحمّل كل ما يأتي مع الروضة من مسؤوليات، وتعامل مع أولياء الأمور، وإجراءات إدارية، ومشكلات يومية.
كانت تحب الأطفال… لكنها لم تكن تحب العمل الذي بنت فكرته حولهم.
وهذا فرق صغير في الكلمات، لكنه قد يغيّر سنوات كاملة من حياتنا.
لاحقًا، بدأت مشروعًا مختلفًا تمامًا في مستحضرات التجميل الطبيعية؛ مجال كانت تميل إليه فعلًا، وتملك فيه بعض الخبرة، ويناسب قدراتها أكثر.
أحيانًا لا نحتاج إلى مزيد من الشجاعة للبدء. نحتاج أولًا إلى الشجاعة لنختبر إن كانت الفكرة تشبهنا فعلًا.
لذلك، قبل أن تستثمري في مشروع كامل، جرّبي أن تعيشي نسخته الصغيرة:
اعملي داخله، اقتربي من تفاصيله، واختبري المهام التي ستفعلينها كل يوم، لا الجزء الجميل منه فقط.
واسألي نفسك بصدق:
هل أحب فكرة هذا المشروع… أم سأحب أيضًا الحياة التي سأعيشها داخله؟
فالتجربة الصغيرة لا تؤخرك عن مشروعك.
أحيانًا، هي التي تنقذك من المشروع الخطأ… وتقودك بهدوء نحو مكانك الحقيقي.